مجتمع

الأطباق الشعبية… الأرشيف اليومي للشعوب

تعتبر جزءاً من المشهد الثقافي

ماذا يمثّل الطبق الشعبي التقليدي لدى أهل أي بلد؟ ومتى يُعدّ التعديل في مكوّناته اعتداء على التقاليد؟   

“إن فن الطبخ لدى أمة ما هو جزء من عاداتها وتقاليدها تماما كما هي قوانينها ولغتها” يقول الناقد والكاتب البريطاني فيليب مورتون شاند 1888- 1960 ملخصاً أهمية الأطباق التقليدية وطريقة إعدادها في تاريخ الحضارات والأمم لكونها الممارسة اليومية التي تبقى وتتوارثها الأجيال. ولعل بحثاً سريعاً عن المقولات الشائعة حول الطعام سيظهر لك مقدار اهتمام الكُتّاب والفلاسفة والمؤرخين بتوثيق هذا الجانب من ثقافة الأمم وكيف أنه لا ينفصل عن السجل الثقافي والفني بل يمكن أن يكون طبق شعبي مفتاحا لمعرفة سلوك شعب ما والتعرف على طريقة حياته ومعيشة أفراده وحتى مستواهم الاجتماعي والمادي.

أصحاب الأطباق التقليدية

ماذا يمثل لك طبقك الشعبي التقليدي؟ سؤال لو طُرح على أي شخص لوجدته سارع في سرد قصص تاريخية توارثها عن ذلك الطبق ومكوناته وطريقة إعداده التي لا يقبل أن تتغير أو تعدل أو تحدث كما هي الحال مع الأربعيني الأردني سمير المعايطة الذي يعتبر أن المنسف وهو الطبق الشعبي الأردني لا ينفصل عن تاريخ وحضارة بلاده. ويرى المعايطة الذي يسكن في محافظة الكرك جنوبي الأردن وهي المحافظة التي ارتبطت بالمكون الرئيسي للمنسف وهو الجميد يرى أن طريقة إعداد هذا الطبق أو طقوس تناوله وآداب التعامل معه لا تقل أهمية عن أداء الممثل على خشبة المسرح أو أسلوب إلقاء شاعر لقصيدة أو كتابة رواية أو عمل أدبي.  ولم يُخفِ المعايطة انزعاجه من محاولة بعض الطهاة الهواة أو المحترفين التلاعب بمكونات المنسف أو تطويره هناك بعض الأشخاص يظهرون في منصات التواصل الاجتماعي ويطهون أو يقدمون المنسف بطرق مغايرة للطريقة التقليدية مثلا يضعونه في أكواب ورقية وشاهدتهم يصنعون منه “سوشي”. هذا تلاعب مرفوض بطبق أصبح هوية للأردني أينما وجد. رفض المعايطة التلاعب بالمنسف لا يختلف عن موقف السورية عبير ملص التي ترى أن ضيق الأحوال الاقتصادية للسوريين جعلهم يعدّلون على طريقة إعداد بعض أطباق بلادها التقليدية للتوافق مع إمكاناتهم وموازناتهم المالية الأمر الذي سيُشوّه ثقافة مستمرة منذ عقود طويلة للشعب السوري كما ترى. وعدا عن ذلك ترى ملص أن انتشار هواة الطبخ في منصات التواصل الاجتماعي وبحثهم عن المشاهدات جاء على حساب الأطباق الشعبية التقليدية حيث فقدت أطباقنا هويتها الحقيقية بسبب تعدد الوصفات والمكونات وطريقة التقديم مثل الكبة بمختلف أشكالها وهذا الأمر سيجعل الأجيال الجديدة تنسى الطريقة الحقيقية التاريخية لإعداد تلك الأطباق.

 أداة مقاومة

في رمضان 2015 تحول طبق المقلوبة الفلسطينية إلى رمز للمقاومة في وجه الاحتلال الصهيوني الذي يحاول فرض التهويد على مدينة القدس والتضييق على ارتياد المسجد الأقصى بعد منع مجموعة من النساء من إعداد المقلوبة في باحات المسجد حتى أصبح إعداده في ذات الموقع أداة مقاومة وتحد للاحتلال. وهذه ليست المحاولة الوحيدة لطمس هوية الشعب الفلسطيني فبين الحين والآخر يدعي الاحتلال الصهيووني أن بعض الأطباق التقليدية لفلسطين خاصة وبلاد الشام عامة تعود إلى ثقافته من هنا تأتي الضرورة لمواجهة هذا الأمر عبر النشر والتوثيق كما تقول الطاهية الأردنية ياسمين ناصر. ناصر بينت أن دور الشيف لم يعد مقتصراً على الطهو بل أصبح دورا نضاليا ووسيلة موثقة لنقل الرواية الأصيلة عبر الإصرار على ذكر المكونات والمسميات الأصلية وربطها بالموقع الجغرافي لمنع أي محاولة لسرقة ثقافة وإرث الشعوب. وتضيف ناصر التي اشتهرت بتقديم وصفات إعداد طعام بإمكانات بسيطة لسكان قطاع غزة خلال الحرب عندما يسرقون المكون أو يحرفون الاسم فإنهم يسرقون التاريخ. نحن لا نطبخ لحشو البطون نحن نطبخ لتوثيق الذاكرة لحماية قصة أرضنا. مهمة الشيف اليوم هي أن تصرخ بالوصفة الأصلية بصوت عال في وجه محاولات التزوير. كل حبة عدس في طبق المجدرة وكل حبة قمح في الفريكة وكل رغيف مسخن مغمس بزيت الزيتون تعد شهادة ميلاد فلسطينية لا يمكن محوها. وتؤكد ناصر أن إعداد الأطباق التقليدية بشكل متكرر يفند رواية المحتل الصهيوني ومحاولة طمس تاريخ شعب بأكمله في الشتات الفلسطيني تصبح هذه الأطباق هي الوطن المتنقل حيث تعيد رائحة الزعتر أو زيت الزيتون الفلسطيني إنتاج الشعور بالانتماء والتواصل مع الجذور وتضيف الهوية الفلسطينية كالمائدة لا يمكن أن تقام عليها الحدود أو الحواجز.

سياحة الطعام

يرى خبراء السياحة بأن العقود الأخيرة شهدت تحولا جذريا في مفهوم السياحة العالمية حيث بدأت الذاكرة تتفوق على الأثر ولم يعد المسافر العصري يكتفي بمشاهدة صروح التاريخ الصامتة أو التقاط صور أمام المعالم الشهيرة بل تغيرت رغباته تجاه التجربة الحسية العميقة ليصبح المطبخ الشعبي البوابة الأكثر حميمية للتعرف واستكشاف المجتمع. ولم يعد يخلو أي برنامج سياحي من زيارة المطاعم الشعبية أو تناول الأطباق التقليدية كما يخبرنا رئيس هيئة تنشيط السياحة السابق في الأردن عبد الرزاق عربيات الذي أرجع الفضل في انتشار فكرة سياحة الطعام لمنصات التواصل الاجتماعي المليئة بمقاطع فيديو عن أطباق معينة وطرق إعدادها. ويضيف عربيات أن الطعام هو الذاكرة التي أصبح يحملها السائح معه إلى بلده لاحظنا أن الترويج المكثف لأطباق شعبية يستقطب شريحة واسعة من السياح الباحثين عن التجربة العميقة مؤكداً أن هذه الوجبات التقليدية تمنح الهوية الوطنية قيمة اقتصادية مضافة وتضع الدول على خريطة السياحة العالمية. ودعا عربيات إلى وضع إستراتيجية لاستثمار توثيق تلك الأطباق في المنصات الرقمية بشكل احترافي لأن السائح اليوم يأتي وهو يحمل صورة طبق محدد رآه في المنصات الاجتماعية ويرغب لا بل ويصر على تجربته. هكذا يصبح الطعام ثقافة وسلوكا حياتيا يوميا ولا يمكن حصره بغذاء يسد الجوع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق