ثقافة

“حق الملح”يرسخ ثقافة الامتنان

من شهادات المجتمع الوهراني

مع نهاية رمضان واستقبال عيد الفطر تعود إلى الواجهة واحدة من أعمق العادات الاجتماعية في المجتمع المعروفة بـ”حق الملح” وهي تقليد متجذر يعكس منظومة من القيم الإنسانية التي تقوم على الاعتراف بالجميل وصون مكانة المرأة داخل الأسرة.

و في البيوت الوهرانية كما هو الحال في كثير من مناطق الوطن لا ينظر إلى “حق الملح” بوصفه مجرد هدية عابرة بل باعتباره طقسا رمزيا يختزل شهرا كاملا من الجهد والعطاء. فربة البيت التي تسهر على تحضير وجبات الإفطار والسحور وتوفير أجواء الراحة لأفراد الأسرة تجد في هذه المبادرة اعترافا صريحا بدورها المحوري في استقرار البيت وتماسكه. وجرت العادة أن يقدم رب الأسرة هذه الهدية في الأيام الأخيرة من رمضان أو صبيحة العيد في لحظة تحمل أبعادا عاطفية واجتماعية عميقة. غير أن هذا التقليد وإن كان راسخا لا يخضع لقواعد صارمة إذ يظل تعبيرا اختياريا يختلف من عائلة إلى أخرى بحسب الإمكانيات والمرجعيات الثقافية. وتبرز هذه العادة قدرة المجتمع على الحفاظ على تقاليده مع منحها مرونة تسمح لها بمواكبة التحولات. فبعد أن كان “حق الملح” في الماضي يرتبط غالبا بتقديم قطعة من الذهب أصبح اليوم يأخذ أشكالا متعددة من الملابس والعطور إلى المبالغ المالية دون أن يمس ذلك بجوهره الرمزي. ويعكس هذا التحول وعيا اجتماعيا متزايدا بأن قيمة العادة لا تكمن في ماديتها بل في دلالتها. فالمهم ليس ثمن الهدية بل الرسالة التي تحملها وهي رسالة تقدير واعتراف بالجهد اليومي غير المرئي الذي تبذله المرأة داخل الأسرة. في هذا السياق يؤكد العديد من المواطنين أن حق الملح يمثل لحظة إنسانية بامتياز تعيد التوازن للعلاقات الأسرية وتمنحها بعدا وجدانيا. فهو ليس مجرد تقليد موسمي بل ممارسة تسهم في ترسيخ ثقافة الامتنان وهي قيمة غالبا ما تغيب في خضم ضغوط الحياة اليومية.

تقليد يعزز الروابط

 كما تكشف شهادات من مختلف الفئات العمرية أن هذه العادة رغم بساطتها تترك أثرا نفسيا إيجابيا لدى النساء إذ تعزز الشعور بالتقدير والانتماء وتؤكد أن الجهد المبذول داخل البيت لا يمر دون اعتراف. يقول مصطفى وهو رجل ستيني من عائلة وهرانية عريقة إن هذه العادة متجذرة في تقاليدنا منذ القدم مضيفا كان والدي يحرص كل عام على وضع الهدية التي تكون غالبا قطعة ذهب أو مبلغا من المال في صينية القهوة التي تحضرها والدتي صباح العيد فتكون بمثابة مفاجأة جميلة رغم أنها متوقعة. ويقول محمد وهو موظف في الأربعين من عمره إنه قدم هذا العام قفطانا لزوجته لأن ميزانيته لا تسمح بشراء المجوهرات لكن الأهم هو الرمزية والمعنى حسب تعبيره. أما لمياء فتؤكد أنها تتلقى “حق الملح” غالبا في شكل ملابس أو عطور مع نهاية الشهر الفضيل مشيرة إلى أن زوجها لم يقدم لها الهدية على أصلها سوى مرتين خلال زواج دام قرابة 18 سنة. وتتعدد الشهادات التي تعكس تمسك الجزائريين بهذه العادة رغم اختلاف أشكالها. وتقول سميرة وهي ربة بيت في الثلاثين من عمرها بالنسبة لي ليست قيمة الهدية هي المهمة بل الشعور بالتقدير. حتى لو كانت بسيطة يكفيني أنها تعبير عن الامتنان. من جهته يرى عبد القادر وهو تاجر في الخمسين أن حق الملح يتجاوز كونه مجرد هدية قائلا هو رسالة احترام وتقدير للمرأة التي تتعب طوال الشهر مضيفا أنه حتى في أصعب الظروف يحاول ألا يتخلى عن هذه العادة. ورغم التحديات الاقتصادية التي قد تحد من القدرة على تقديم هدايا ذات قيمة مادية إلا أن الكثيرين يحرصون على الحفاظ على هذا التقليد ولو في أبسط صوره إدراكا منهم لأهميته الرمزية والاجتماعية. وهكذا تظل هذه العادة شاهدا على أن التقاليد حين ترتبط بقيم نبيلة لا تندثر بل تتجدد وتستمر حاملة في طياتها روح المجتمع وذاكرته الجماعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق