أكد مدير مؤسسة الدراسات الاقتصادية وتطوير المؤسسات حمزة بوغادي أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 المصادق عليه أول أمس خلال الإجتماع الدوري لمجلس الوزراء يكشف عن توجه واضح نحو مواصلة السياسة الاقتصادية والاجتماعية القائمة على مسعى ترسيخ نموذج نمو مستدام يجمع بين حماية القدرة الشرائية، ودعم الاستثمار، وتسريع تنويع الاقتصاد الوطني والتقليل من الاعتماد على المحروقات، مع الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة. وقال بوغادي لدى استضافته أمس الإثنين ضمن برنامج ضيف الصباح “للقناة الإذاعية الأولى أن هذا المشروع يأتي في سياق ظرف اقتصادي دولي على غاية من التعقيد بسبب استمرار الازمات في عديد مناطق العالم و منها الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا و أزمة المضايق بما يؤثر سلبا على تقلبات اسعار النفط و الشحن والتأمين للبواخر التجارية والنفطية وكذا على أسعار العديد من المنتجات والسلع بما فيها الغذاء. وأضاف بو غادي بالقول بدا واضحا إن السلطات العمومية تسعى من خلال مسودة المشروع إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام أكثر ارتباطا بالإنتاج والاستثمار وأقل اعتماداً على المحروقات في ظرف اقتصادي دولي واقليمي شديد الاضطراب و التعقيد مما يؤثر على أسعار النفط وسلاسل التوريد . واستطرد تبرز مسألة القدرة الشرائية والأجور في مقدمة التوجهات التي يحملها المشروع بحيث بدا واضحا ان الزيادات في الأجور والرواتب أدرجت ضمن حسابات ميزانية 2027، بما يعكس استمرار أولوية تحسين مداخيل الموظفين والمتقاعدين والفئات ذات الدخل المحدود. “لن تكون هناك ضرائب جديد تثقل كاهل المواطنين -يضيف المتحدث ذاته- بحيث تعهد رئيس الجمهورية بعدم اللجوء الى تحميل الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود أعباء ضريبية جديدة تمس قدرتهم الشرائية ومنها تلك التي قد تشمل النقل وغيرها لما لها من انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على قطاعات الانتاج والمنتجين وخاصة المواد ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة للمواطن وذات القيمة المضافة والتي قد تؤثر على القدرة الشرائية. واستطرد قائلا ، ينبغي التأكيد على أن الدعم غير المباشر للدولة استطاع امتصاص كل الصدمات الناجمة عن ارتفاع اسعارالغذاء والتي برزت على الساحة الاقليمية والدولية منذ سنة 2020 بدءا من جائحة الكورونا وأزمة الحرب في أوكرانيا وصولا الى الحرب الراهنة في منطقة الشرق الأوسط و الخليج وتمثلت في دعم مواد الغذاء و الوقود و الدواء و كذا الإجراءات المتخذة و خاصة في الفترة الأخيرة لمواجهة ظاهرة ارتفاع الأسعار وحماية القدرة الشرائية ومنها الزيادات في الأجور وإلغاء الضريبة على الدخل لمن لا تتجاوز اجورهم ال 03 ملايين سنتيم شهريا بهدف التخفيف والمساعدة في الحفاظ على مسار الدولة الاجتماعية ضمن مسعى حماية القدرة الشرائية للمواطنين . وضمن هذا السياق شدد بوغادي على عزم الدولة قيادة التحول الاقتصادي من اقتصاد موجه الى اقتصاد السوق اوالنموذج الليبيرالي مثلما أكد على ذلك رئيس الجمهورية خلال أحدث تصريحاته وسيتم ذلك في وقت دأبت فيه السلطات العليا للبلاد على مر السنوات الأخيرة على تخصيص ما يعادل 35 بالمائة من مخصصات الميزانية السنوية للدعم الاجتماعي اأي بما يقارب 40 مليار دولار سنويا وهي موارد موجهة إلى تمويل التحويلات الاجتماعاية وقطاعات الصحة والتربية والتعليم العالي والبحث العلمي وضمان الاستمرار في دعم المواد الواسعة الاستهلاك .
رقمنة القطاعات الوزارية والخدماتية …مسار يتسارع
كما أبرز ضيف الأولى وجود توافر وتقاطع أكثر للمعلو مات اليوم بين مختلف المؤسسات والدوائر الوزارية بما يسهل ويضفي المزيد من الشفافية فيما يتعلق باحصاء العقار وتحديد الفئات الأكثر حاجة للاستفادة من الدعم وهي إصلاحات تتواصل بسرعة و بحزم بغرض التحكم في بيانات المواطنين وكذا معطيات الاقتصاد الوطني بصفة اأكبر في المستقبل وتحديد كلفة التحويلات الاجتماعية وإعادة توجيه وتوظيف هذه الأموال في إطار استثمارات منتجة .وقال إنه لا مفر من الاستمرار في استكمال مسار منظومة الرقمنة باعتبارها الحل الامثل لاضفاء شفافية أكبر على جميع لمعاملات التجارية والاقتصادية والعقارية وكذا مواصلة الاحصاء الشامل و الدقيق للأشخاص و الممتلكات و كل المقدرات الوطنية بهدف توسيع الوعاء الجبائي و مكافحة التهرب الضريبي وكذا تمكين السلطات العمومية من إعادة النظر في الاستراتيجية الوطنية للدعم الاجتماعي .وقال في هذا الصدد، انجاز مثل هذه المهمةسيترتب عنها تحديد شامل للأولويات ونسب الدعم وطبيعة القطاعات المعنية أسوة بتجارب عديد الدول التي لا تقدم دعما دائما او شيكا على بياض وإنما يكون مرحليا الى غاية زوال أسبابه بهدف الوصول إلى تخفيف الأعباء عن الدولة .
الأولوية للمشاريع المنتجة للثروة
واعتبر بوغادي أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يعطي أيضا أولوية للمشاريع ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي، خصوصاً تلك المرتبطة بالبنية التحتية والنقل واللوجستيك والمشاريع المهيكلة ومنها مشاريع السكك الحديدية ولاسيما تلك المعنية بربط مناطق الجنوب الكبير بالشبكة الوطنية. وتابع قائلا هذه المشاريع المهيكلة هي وسيلة لخفض تكاليف النقل وربط مناطق الإنتاج والأسواق، وفتح المجال أمام النشاط المنجمي والفلاحي والصناعي بما يمكن من خفض تكلفة ممارسة النشاط الاقتصادي وتحسين تنافسية المؤسسات وربط مناطق البلاد ببعضها وبالأسواق الخارجية.
كما أولى المشروع يقول الأستاذ بوغادي مكانة أساسية لمسألة تنويع الاقتصاد الوطني خارج إطار المحروقات من خلال توجيه الدعم للقطاعات المنتجة، وتشجيع الاستثمار، وتطوير الأنشطة القادرة على خلق القيمة ومناصب الشغل وهذ التوجه على غاية من الاهمية في ظل حاجة الاقتصاد الوطني إلى تقليص حساسيته لتقلبات أسعار النفط والغاز ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية في النمو والصادرات والإيرادات.