تعد انتفاضة بني شقران التي اندلعت في 5 أكتوبر 1914 بمعسكر من المحطات البارزة في تاريخ الجزائر الحديث لما أسهمت به في إعادة بعث روح المقاومة الشعبية لدى الجزائريين ضد الاحتلال الفرنسي ولتعريف جيل اليوم بهذه الانتفاضة وغيرها من المقاومات ضد المحتل الفرنسي شرعت مديرية المجاهدين وذوي الحقوق منذ مطلع السنة الجارية في تنفيذ برنامج خاص بالذاكرة الوطنية يشمل ندوات ومحاضرات تاريخية يؤطرها أساتذة جامعيون وباحثون في تاريخ ثورة التحرير ومجاهدون ويتضمن البرنامج معارض تسلط الضوء على المعارك البارزة إبان حرب التحرير بالمنطقة ومنها انتفاضة بني شقران بالفراقيق والمامونية.
وأوضح الباحث في التاريخ الحديث والأستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة التابعة لجامعة مصطفى اسطمبولي بمعسكر زكريا خلف الله أن هذه الانتفاضة شكلت امتدادا للمقاومات الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي واندلاعها ارتبط مباشرة بسياسة التجنيد الإجباري التي شرعت السلطات الاستعمارية في فرضها على الجزائريين لا سيما بعد صدور التشريعات المنظمة له وتزايد حاجة فرنسا إلى الجنود مع اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914 مشيرا أن الإدارة الاستعمارية اتجهت إلى تسريع تجنيد الجزائريين وأصبح استدعاء الشباب مصدر قلق واسع, خاصة في الأرياف وأشار إلى أن أخبارا وشائعات انتشرت في منطقة معسكر حول احتمال توسيع التجنيد ليشمل فئات أخرى إذا تطورت الحرب ما زاد من قلق السكان إذ لم يعد رفض التجنيد مجرد اعتراض إداري محدود, بل صار قضية اجتماعية جماعية تمس مستقبل الأسر والقبائل, إذ يمثل الأبناء القوة الأساسية للعمل في البيئة الريفية.
مقاومة لقوة قمع حاشدة
وأكد أن المقاومة في بني شقران لم تبدأ بإطلاق النار بل سبقتها مظاهر رفض وامتناع عن الاستجابة للإدارة الاستعمارية حيث امتنع شباب المنطقة عن التسجيل في قوائم التجنيد وبدأت السلطات تضغط على السكان والأعيان لإجبارهم على الامتثال وأبرز أن الانتفاضة لم تكن عملا فرديا معزولا بل سبقتها تعبئة اجتماعية شارك فيها الأعيان والشيوخ وسكان المداشر وبرزت خلالها شخصيات محلية أدت دورا في توجيه السكان, ما دفع الإدارة الاستعمارية إلى اعتبار الأعيان عناصر مؤثرة في حركة الرفض وأوضح أنه في 5 أكتوبر 1914 تجمع السكان والأعيان في بني شقران احتجاجا على عمليات الإحصاء والتجنيد التي كانت تنفذها السلطات الاستعمارية وتطور التجمع إلى مواجهة مسلحة مع قوات الاحتلال وتشير بعض المصادر والوثائق التاريخية إلى أن النيران أوقدت في قمم الجبال إعلانا عن بداية الانتفاضة ووسيلة للتواصل بين السكان وهو ما يعكس طبيعة التنظيم المحلي والاستفادة من تضاريس المنطقة في مواجهة الإدارة الاستعمارية وأضاف أن السلطات الفرنسية لم تتعامل مع الانتفاضة كاحتجاج محلي محدود بل حشدت قوة عسكرية كبيرة لقمعها واعتمدت أساليب الحصار والمداهمة فأحرقت ودمرت بعض الدواوير والمساكن واستعملت القوة لإخضاع السكان. كما قصفت قوات الاحتلال بعض المداشر بالمدفعية ما خلف قتلى وجرحى من سكان التجمعات الريفية فيما تكبدت القوات الاستعمارية بدورها خسائر بشرية حيث هلك عدد من جنودها وأصيب أخرون بجروح.
حرق البيوت ومحاصرة شعب
ولفت الى أن القوات الفرنسية لم تكتف بحرق البيوت وتدميرها وحصار السكان, بل اعتقلت عددا كبيرا من أبناء المنطقة وأعيانها من بينهم 27 شخصا من منطقة الفراقيق. وشكلت السلطات الاستعمارية محاكم استثنائية أصدرت في حق المعتقلين أحكاما تراوحت بين الإعدام والسجن, إلى جانب مصادرة الأملاك وفرض غرامات مالية باهظة كما رحلت عددا منهم إلى معتقلات غويانا الفرنسية بأمريكا الجنوبية وأكد الأستاذ خلف الله أن أهمية الانتفاضة تكمن في كونها من أبرز الانتفاضات المسلحة التي عرفتها الجزائر في السنوات الأولى من القرن العشرين وفي كشفها رفض الجزائريين تحويلهم إلى قوة بشرية تخدم المشروع العسكري الفرنسي في الحرب العالمية الأولى مشيرا إلى أنه يمكن النظر إلى هذه الانتفاضة كامتداد للمقاومات الشعبية التي واجهت الاحتلال الفرنسي منذ احتلال الجزائر سنة 1830 خاصة وأن منطقة معسكر على غرار العديد من مناطق الوطن, حافظت على إرث راسخ من مقاومة الوجود الاستعماري الفرنسي يعود إلى مقاومة الأمير عبد القادر وغيرها من المقاومات الشعبية المحلية التي عرفتها المنطقة خلال القرن التاسع عشر وذكر أن أهمية هذه الانتفاضة لا تكمن فقط في مواجهة التجنيد الإجباري وإنما أيضا في كونها شاهدا على أن روح المقاومة الشعبية لم تنطفئ بانتهاء المقاومات الكبرى بل ظلت حاضرة ومتجددة في مواجهة السياسات الاستعمارية.