في إطار الأنشطة الصيفية التي تشهدها الجزائر العاصمة يفتح قصر الداي حسين أبوابه لاستقبال معرض تشكيلي جماعي يأخذ الزوار في رحلة بصرية بين عبق التراث وروعة الطبيعة في تنوعها الفصول والأقاليم ممتدة من السواحل إلى الصحراء مع توقف عند محطات بارزة من الذاكرة الوطنية خاصة ما يتعلق بمقاومة الاحتلال الفرنسي قبل وأثناء ثورة التحرير.
ويشارك في هذا المعرض مجموعة من الفنانين المبدعين يتقدمهم الفنان كريم سمير الذي استلهم لوحاته من سحر الطبيعة حيث تمازجت الخضرة مع المياه الجارية والتربة الصحراوية متوقفا عند منطقة “القنيطرة” بجمالها الأخاذ. اعتمد الفنان على الألوان الزيتية بدرجات قاتمة كالأخضر والبني فيما بدت الصخور المتناثرة على ضفاف الوادي وكأنها مازالت في حالة سيولة مما أضفى على العمل حسا حركيا مميزا. أما الفنان رحيم فاختار الأسلوب التجريدي في لوحته معتمدا على ألوان داكنة في خلفية أكثر قتامة تشبه الدوامة أو عواصف دائرية ما منح اللوحة طابعا دراميا يعكس حركة الطبيعة الجامحة. وفي مقابل ذلك تنوعت أعمال الفنانة جوهر عباس بين التجريد والكلاسيكية حيث استخدمت الألوان المائية الداكنة في لوحة تجريدية بدت أشبه بكتل متحركة قبل أن تنتقل في عمل آخر إلى الأسلوب الكلاسيكي لتجسيد مشهد فارسين بزي تقليدي يمضيان بشموخ في أزقة مدينة الجزائر القديمة قبل الاحتلال مع تفاصيل معمارية دقيقة للمساجد والساحات وألوان موفقة عكست هوية المكان وتاريخه. وتواصل الفنانة جوهر سردها التاريخي لتصل إلى لوحة مؤثرة تجسد مظاهرات 11 ديسمبر 1960 حيث رسمت شعبا أعزل يهتف “تحيا الجزائر” بكل فئاته نساء بالحايك وشباب ورجال وأطفال في مواجهة آلة عسكرية فرنسية مدججة بالسلاح في مشهد نابض بالبطولة والثبات. وتتعدد المشاركات لتشمل الفنان بن سعيد الذي قدم لوحة فوتوغرافية تقريبا لمنارة المنصورة بتلمسان شامخة في فصل الربيع محاطة بالخضرة. فيما اختار الفنان اسماعيلي التراث البوسعادي مستلهما أعمال المستشرقين خاصة إيتيان ديني فرسم فتيات قرويات يمرحن أمام الواحات والبيوت الطينية كما وقف عند جمال المرأة النايلية بحليها وملابسها التقليدية في سياقها الاجتماعي. وتتنوع المواضيع لتشمل الفنون الشعبية حيث جسدت الرسامة كريمة عازف “القصبة” بملامح شجية وفي لوحة أخرى اكتفت برسم الحلي الفضية التقليدية المرصعة بالمرجان. أما خديجة فاختارت تقديم الفواكه الموسمية كالكرز في إطار فاخر، بينما استحضرت نورية زمن الكتاتيب من خلال تلميذين يكتبان على اللوح بزي تقليدي كما رسمت غلة الزيتون بأغصانها الممتلئة وحضورها على الموائد في قوارير بديعة. واكتفت نادية عبد السلام بتصوير القصبة بعمرانها وتراثها الاجتماعي مستخدمة الزجاج الذي أضفى على العمل بعدا جماليا خاصا كما قدّمت لوحة زيتية لشيخ منهمك في الكتابة جالسا على الأرض يمسك بأوراقه بإتقان. ويتواصل المعرض إلى غاية نهاية أوت ليظل قصر الداي حسين شاهدا على عبق الماضي واحتضانه للإبداع المعاصر حيث تختزل لوحات المشاركين سحر الجزائر وتنوعها وتجعل من الفضاء الأثري للقصر نافذة على جمال الوطن وذاكرته الخالدة.