ثقافة

فيروز تنجو من مكائد الدنيا..

كتاب يقرأ أسرار سيدة من الزمن الجميل

رغم أن السوري نبيل الملحم هو كاتب روائي بالأساس فضلا عن تجاربه في الإعلام والمسرح إلا أنه يقترب في أحدث مؤلفاته من تجربة السيدة فيروز بروح الشاعر ويتعامل مع أغنياتها كأنها قصيدة شديدة العذوبة تنعش الروح وتأسرالقلب لكنها لا تزال بحاجة إلى من يفك شفرتها ويحفر عميقا ليكتشف سرها.

يحمل الكتاب عنوانا لافتا هو السيدة  تمرين على النجاة كأن العيش تحت ظلال الصوت الفيروزي تمرين على النجاة من مكائد الدنيا ومفاجآت البشر غير السارة  أو بتعبير الملحم  طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

  لغة الشاعر وقلب العاشق

لا يطل الملحم هنا باعتباره ناقدا موسيقيا أو باحثا أو مؤرخا بقدر ما يطل كأحد عشاق فيروز الذين فُتنوا بصوتها القادم رأسا من السماء فقرر أن يتأمله بهدوء ويكتشف بعضا من أسراره على مهل بلغة الشاعر وقلب العاشق يلقي المؤلف بعلامات استفهام حائرة في وجه قارئه بكل الصدق مع الذات والآخر: كيف يمكن أن أؤرخ لها؟ ومن أين يبدأ تاريخها؟ من يوم ولدت؟ أم من اللحظة التي أصبح فيها لبنان ممكناً بصوت امرأة؟ أم من ذلك المتوسط القديم الذي كان يحمل السفن الفينيقية محملة بالأرجوان والخشب والأساطير قبل أن يحمل الأغنيات؟ بالنسبة إليه تبدو فيروز أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر على امتداد أكثر من نصف قرن  من دون أن يملوا؟ ةهنا يظهر شىء آخر يتجاوز الصوت وربما يتجاوز الموسيقى نفسها، فالسيدة فيروز لم تكن تفرض صوتها على الكلمات بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل ويصبح العمل هو الذي يقوده.

   قبل أن يستيقظ الكلام

ومن منظور نبيل الملحم لم يكن سر جارة القمر في الحنجرة، بل في الثقة ذاك الصوت كان يثق بالعالم حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه وهذه ليست صفة فنية إنها صفة أخلاقية ولهذا بدت فيروز، في أكثر اللحظات دموية في المشرق وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد ليس لأنها تجاهلت الحرب بل لأنها كانت تعرف أن الحروب مهما طالت لا تملك المستقبل الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً. في هذا السياق، تصبح فيروز حالة خاصة ليس لأنها الأغنى أو الأوسع انتشاراً، بل لأنها ارتبطت، في وعي جمعي واسع، بلحظات لا تشبه السياسة ولا تشبه السوق ولا تشبه الضجيج العام، بل بلحظات يومية مثل الصباح والطريق والنافذة والضوء الأول وفنجان القهوة وصمت البيت قبل أن يستيقظ الكلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق