ثقافة

حمام الصالحين… ملاذ للشفاء

في قلب الأوراس

في أحضان الجبال الشامخة بولاية خنشلة وبين صخور الأوراس العتيقة يختبئ كنز طبيعي لا يقدر بثمن إنه حمام الصالحين ذلك الموقع الفريد الذي لا يروي عطش الزائر للاسترخاء فحسب بل يمنح جسده وطنه وراحته.

إنها تجربة استثنائية حيث تتدفق المياه الدافئة كحكاية أزلية ويختلط فيها إرث الرومان بسحر الطبيعة. يعود جذور هذا المكان إلى العصر الروماني حيث لا تزال الآثار المحيطة به تشهد على أن الإنسان القديم أدرك مبكرا أسرار هذه الأرض. ذلك الإرث لم يندثر بل أصبح جزءًا من نسيج المكان حيث يلتقي عبق التاريخ بلمسات العصرنة ليستقبل حمام الصالحين زواره اليوم وكأنه حكاية تمتد عبر القرون. وتندفع المياه من قلب الأرض بحرارتها التي تلامس 70 درجة مئوية حاملة معادنها العجيبة التي تخفف آلام المفاصل وتذيب إرهاق الروماتيزم وتنعش البشرة. زوار الموقع خاصة كبار السن ممن أضناهم التعب يؤكدون أن مجرد غطسة في هذه المياه تمنحهم إحساسًا بالانتعاش لا تضاهيه أدوية. ومع تكرار الزيارة تتحسن الحالات الصحية بشكل ملحوظ لتصبح الينابيع بديلا طبيعيا يبحث عنه الكثيرون هربا من زحام العلاجات الكيميائية. لكن سحر حمام الصالحين لا يقتصر على الاستحمام فهو رحلة إلى قلب الطبيعة البكر. الهواء النقي وهدوء الجبال وأصوات الطيور كلها ترسم لوحة استرخاء حقيقية. هناك يمكن للزائر أن يتنزه بين الصخور أو يلتقط أجمل الصور أمام منظر طبيعي يخطف الأنفاس. المكان ليس مجرد مركز علاجي بل واحة للهروب من ضوضاء المدينة.

 صرح معماري متكامل 

المكان ليس مجرد ينابيع عادية بل صرح معماري متكامل يحتضن مسابح على الطراز الروماني بعضها مخصص للرجال والآخر للنساء إضافة إلى 40 غرفة استحمام خاصة وأكثر من 50 غرفة فندقية. هذا التصميم الفريد جعل من الحمام وجهة متكاملة تجمع بين التاريخ والترفيه والعلاج وكأن الزائر يعيش في قصر روماني قديم، لكن بوسائل عصرية. وفي فصل الربيع والشتاء تزداد حيوية المكان ويقصد الزوار حمام الصالحين من كل حدب وصوب بحثا عن الدفء والشفاء معا. هذه الحركة السياحية أيقظت الاقتصاد المحلي فنادق صغيرة و مطاعم تقدم أكلات تقليدية ومتاجر تعرض الصناعات اليدوية كلها وفرت فرص عمل للسكان وجعلت من الحمام نواة لاستقطاب الاستثمارات في القطاع السياحي. ورغم كل هذه المقومات إلا أن الطريق لا يخلو من بعض الحفر. فالزوار يتحدثون عن حاجة المكان إلى بنية تحتية عصرية وتحسين الخدمات في أوقات الذروة وتطوير طرق الوصول. الكل يأمل أن تلتفت الجهات المعنية أكثر إلى هذا الموقع ليرتقي إلى المستوى الذي يليق بتاريخه وقيمته العلاجية.

النموذج الحي

يبقى حمام الصالحين نموذجا حيا على أن الجزائر غنية بثرواتها الطبيعية والسياحية. ومع تزايد الاهتمام بالسياحة العلاجية عالميا ينتظر أن يكون هذا الموقع نجما ساطعا في سماء السياحة الوطنية بل ربما الدولية. فالاستثمار فيه ليس مجرد مشروع اقتصادي بل هو رسالة بأن الجزائر قادرة على تقديم كنوزها بأبهى صورة. الحاجة زهيرة تلك السيدة التي كانت تعاني من آلام المفاصل لسنوات تقول بعيون مليئة بالأمل جربت أدوية كثيرة لكن مياه حمام الصالحين تمنحني راحة لا توصف. هي ليست الوحيدة بل كثر غيرها ممن تحدثوا إلينا، أكدوا أنهم وجدوا في هذه الينابيع الساخنة ما لم يجدوه في الصيدليات خاصة مع ارتفاع تكاليف العلاج. ولذلك يعودون كل عام وكأنهم على موعد مع الطبيعة التي لا تخيب أبدا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق