ثقافة

انهيار أم تحول؟

حقوق النشر في عصر الذكاء الاصطناعي..

في زمن غير بعيد كانت حقوق النشر تمثل خط الدفاع الأول عن المبدعين والمفكرين و المنتجين الثقافيين في وجه الاستنساخ والتعدي والاستغلال غير المشروع لأعمالهم.

وكان الإبداع مرتبطا ارتباطا وثيقا بالهوية الإنسانية وكانت القوانين المنظمة لحقوق النشر تعمل وإن كان ببطء أحيانا على حماية هذا الإبداع في صورته الأصلية ومنح أصحابه الاحتراف والملكية والربح المستحق. لكن مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي لا يبدع من العدم بل يتغذى على ما أبدع فيه البشر من قبل أُعيد رسم المشهد القانوني والأخلاقي من جذوره. إن دخول هذه التكنولوجيا إلى معادلة الإنتاج المعرفي والثقافي لم يكن مجرد تطور تقني بل كان ضربة قاسية لأسس التوازن بين المبدع والمؤسسة وبين صاحب العمل والمستهلك وبين ما يعد اقتباسا مشروعا وما يعد استغلالا صامتا.خوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم قادرة على إنشاء نصوص وصور وأصوات وحتى أفكار مبنية على مليارات من الأعمال البشرية السابقة كثير منها محمي بموجب حقوق النشر. غير أن هذه الأعمال تستهلك بصمت في تدريب هذه النماذج من دون إذن أو تعويض وذلك يثير أسئلة وجودية عمن يملك الإبداع في العصر الرقمي. هل هو الإنسان أم النموذج؟ وهل تملك الشركات التقنية الحق في تسخير جهود الملايين من دون الرجوع إليهم؟

 تحديات حقوق النشر

قد يخيل إلينا أننا رأينا هذا المشهد من قبل شركات التكنولوجيا تسعى في كل دورة تقنية جديدة إلى بناء منتجاتها على حساب أصحاب حقوق النشر عبر استغلال أعمالهم من دون إذن أو تعويض. يلي ذلك عادة موجة من الدعاوى القضائية ثم بعض التعديلات التشريعية قبل أن يظهر شكل جديد من التوازن يستوعب التكنولوجيا ويحاول حفظ حقوق المبدعين. لكن كما هو الحال مع معظم ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي هذه المرة مختلفة تماما. فالذكاء الاصطناعي التوليدي لا يكتفي بإعادة استخدام المحتوى المحمي بل يمتلك القدرة على تعزيز الإنتاجية وجودة الإبداع البشري بشكل غير مسبوق. فالأدوات المدعومة بهذه التكنولوجيا باتت تتيح للمبدعين إنتاج محتوى عالي الجودة بتكلفة زهيدة وذلك يغير بعمق طبيعة العمل الإبداعي وموقعه. ولن يعود الإبداع كما عهدناه إذ أصبح من الصعب فصل موهبة الإنسان عن خوارزميات الآلة. في هذا السياق الجديد لم يعد جوهر النزاع يدور فقط بين شركات التكنولوجيا وأصحاب الحقوق بل أخذ يتبلور صراع داخلي بين المبدعين أنفسهم. فالتقنيات التي استخدمت في السابق لإعادة إنتاج المحتوى القائم باتت تستخدم اليوم لإنتاج محتوى أصيلوغالبا من قبل المؤسسات نفسها أو الأفراد الذين يمتلكون الحقوق الأصلية. وهنا يتضاعف التهديد، ليس فقط في الاستيلاء على منجزات الماضي بل في إعادة تعريف من يحق له أن يكون جزءا من المشهد الإبداعي المستقبلي.

الأساس القانوني

من الناحية القانونية تعتمد شركات الذكاء الاصطناعي مثل “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” على مبدأ “الاستخدام العادل” لتبرير استخدام الأعمال المحمية أثناء تدريب النماذج. وتؤكد هذه الشركات أن تلك الأعمال تستخدم لأغراض تحويلية أي لبناء نموذج ذكاء اصطناعي لا لإعادة توزيع المحتوى الأصلي أو التربح المباشر منه.ولكن هذا التبرير محل جدل واسع. ففي القضية المرفوعة من نيويورك تايمز ضد “أوبن إيه آي” رفض القاضي مؤخرا إسقاط الدعوى وذلك يشير إلى أن القضية مرشحة للاستمرار نحو محاكمة كاملة وربما إرساء سابقة قانونية جديدة. ورغم غياب حكم نهائي يرى كثير من المتابعين أن موقف شركات الذكاء الاصطناعي قد يكون أقوى لكونها تنتج نماذج جديدة اعتمادا على نسخ وسيطة لا توزع كما هي ولا تقدم نواتج تطابق المحتوى الأصلي في الشكل أو الهدف إلا في حالات نادرة.

السوق والنوايا

تكمن الإشكالية الأكبر في المنطقة الرمادية بين القانون والأخلاق. فحتى إن لم تكن مخرجات النماذج الذكية تنسخ الأعمال الأصلية حرفيّا، فإنها قد تنتج محتوى ينافسها ضمن نفس الفئة أو الموضوع. على سبيل المثال إذا استخدم نموذج مثل “لاما 3”  لتأليف كتاب عن موضوع معين بعنوان معين فقد يؤثر ذلك على مبيعات كتاب آخر موجود بالعنوان نفسه حتى من دون نسخ مباشر. وهنا يبرز سؤال مهم هل ينبغي أن تمتد حماية حقوق النشر إلى السوق الإبداعي المحتمل ليس فقط إلى النصوص الموجودة فعليا؟في المقابل من غير المرجح أن تذهب المحاكم إلى حد توسيع نطاق قانون حقوق النشر لِيحظر المنافسة أو يحمي الأعمال المستقبلية غير المكتوبة. فالقانون صمم أساسا لحماية الأعمال المنتجة من النسخ غير المشروع وليس لمنع إنتاج أعمال جديدة تتناول مواضيع مشابهة بأساليب مختلفة. لذا قد لا يكون هذا القانون كافيا لمواجهة التحديات الحالية وذلك يدعو إلى التفكير في أطر تشريعية جديدة تتناول حقوق البيانات وآليات توزيع عوائد الذكاء الاصطناعي بما يحقق توازنا أكثر عدالة بين المبدعين وشركات التكنولوجيا.

قوانين الشفافية

لكن حتى عند اعتماد أطر جديدة أكثر عدالة تبقى مسألة الشفافية في استخدام الأعمال المحمية أثناء التدريب محلّ جدل واسع. فمع عدم حسم مشروعية استخدام المواد المحمية بحقوق النشر في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي تظل التشريعات المقترحة بشأن الشفافية في مراحلها الأولى وقد لا تكون ضرورية أصلا. ففي أفريل 2024 قدم النائب آدم شيف ديمقراطي عن كاليفورنيا مشروع القانون “إتش آر 7913”  المعروف باسم قانون الكشف عن حقوق النشر في الذكاء الاصطناعي التوليدي لعام 2024 والذي يلزم مطوري النماذج بتقديم إشعار لمكتب حقوق النشر يتضمن ملخصا كاملا بالأعمال المحمية المستخدمة في التدريب. وفي نوفمبر من العام نفسه طرح السيناتور بيتش ويلش -ديمقراطي عن فيرمونت- مشروع القانون “إس. 5379” و قانون الشفافية والمسؤولية لشبكات الذكاء الاصطناعي الذي يلزم المطورين بالكشف الكامل لشركات المحتوى عن الأعمال المحمية التي استخدمت في التدريب. ومن المتوقع إعادة طرح كلا المشروعين خلال هذا العام.

المعركة القادمة

وفي كاليفورنيا تم تقديم مشروع قانون في فيفري 2025 عدل لاحقا في مارس من قبل لجنة الخصوصية وحماية المستهلك يطالب مطوري النماذج بإنشاء “بصمة محتوى تقريبية”  لكل عمل مستخدم في التدريب وتوضيح آلية إنتاج هذه البصمات باستخدام التقنية نفسها إضافة إلى الاستجابة لطلبات التعرف من مجتمع المحتوى. غير أن هذه المبادرات التشريعية تفترض مسبقا أن استخدام الأعمال المحمية في التدريب ليس استخداما عادلا وهي فرضية لم تبت قانونيا بعد. فإذا رأت المحاكم أن التدريب يندرج تحت الاستخدام العادل فلن يكون هناك انتهاك قانوني يستدعي هذا النوع من الإفصاحات مما يجعل أنظمة الشفافية مجرد عبء بيروقراطي باهظ من دون جدوى عملية. وفي السياق ذاته أكد مكتب حقوق النشر الأميركي في تقريره عن مدى أهلية الأعمال للحماية أن المؤلفين البشر لا يمكنهم المطالبة بحقوق النشر عن المحتوى الذي ينتج باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي. وإذ إن النموذج نفسه لا يعد مؤلفا ولا يمكن للمستخدم البشري أن يطالب بالحماية القانونية لهذا النوع من الأعمال، فإن هذه الأعمال تعدّ تلقائيا ضمن الملكية العامة. وبحسب تقرير نشرته مؤسسة بروكينغز البحثية  تترتب على هذا الموقف القانوني تداعيات واسعة. إذ تفقد الشركات الحافز لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج مواد مثل التقارير الإخبارية والأغاني والنصوص والصور والفيديوهات وسواها من المحتويات. فإذا تجاوزت نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي ما يعتبر ضئيلا جدا فإن أي شخص يمكنه نسخ تلك المادة وإعادة توزيعها بحرية. وفي ظل غياب حماية حقوق النشر تنعدم الحوافز القانونية ويؤدي ذلك إلى انخفاض في إنتاج هذا النوع من الأعمال.

نحو حماية عادلة

في ضوء القيود القانونية الصارمة من المرجح أن تسعى الشركات الكبرى نفسها إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى عالي الجودة بكلفة أقل مما يستدعي إعادة النظر في مسألة حماية حقوق النشر لتشمل الأعمال التي تتضمن إسهاما بشريا فعالا. في هذا السياق من المهم التمييز بين الآلة والمبدع. فالذكاء الاصطناعي مجرد أداة لا تنتج شيئا من دون تدخل الإنسان. ومن هنا، ينبغي الاعتراف بالمستخدم البشري الذي يصوغ التوجيهات ويصمم العمليات كمؤلف حقيقي يستحق الحماية. ورغم أن موقف مكتب حقوق النشر الحالي يستبعد هذا الاحتمال فإن الفهم التقليدي بدأ يتغير مع تنامي الاهتمام بما يعرف بهندسة التوجيهات وظهور دورات وأسواق رقمية متخصصة في هذا المجال. فالتوجيهات لم تعد مجرد تعليمات عشوائية بل أصبحت أدوات فعالة لصياغة مخرجات أصيلة. وإذا اعترف بهذه التوجيهات كأعمال إبداعية قائمة بذاتها فإن من المنطقي أيضا النظر في حماية المحتوى الناتج عنها بوصفه تجسيدا لتلك الإسهامات البشرية. كما أن المصلحة العامة تقتضي دعم هذا الاتجاه لأن حماية الإبداع البشري في سياق الذكاء الاصطناعي ليست انحرافا عن أهداف القانون بل هي امتداد لها. ومن المتوقع أن تشهد السياسات تطورا في هذا الاتجاه كما بدأ يحدث في بعض الدول مثل الصين التي منحت مؤخرا حماية قانونية لعمل أنشئ عبر الذكاء الاصطناعي اعتمادا على توجيهات إبداعيّة اعتُبرت أصيلة.

الإبداع البشري

أحد الآثار غير المقصودة لرفض حماية حقوق النشر لأعمال الذكاء الاصطناعي هو دفع شركات المحتوى إلى الحفاظ على التوظيف الحالي للعمال المبدعين. إذ إن عدم القدرة على حماية مخرجات الذكاء الاصطناعي من النسخ سيمنع الاعتماد عليه لإنتاج محتوى محمي ويلزم الشركات بالاعتماد المستمر على كتاب ومصممين ومحترفين. لكن التوظيف الكامل والأجور المرتفعة للمبدعين ليسا هدفا لحقوق النشر بل إن التحول في طبيعة العمل الإبداعي يستدعي حلولا خارج هذا الإطار. فالذكاء الاصطناعي يقترب تدريجيا من إنتاج محتوى يشبه ما يقدمه الصحفيون والمصممون وكتاب السيناريو مع إمكانية تقليل التكلفة وتعزيز الكفاءة. ويتشارك مهندسو التوجيهات مع منشئي المحتوى في هذا التحول كما أظهرت تجارب مثل إصدار “إل فوغليو” الإيطالية لعدد أنتج معظمه بالذكاء الاصطناعي  وإن كان قد خضع لمراجعة بشرية لاحقة لكنه أظهر أن التغيير قادم لا محالة. وإن كان الذكاء الاصطناعي لن يقصي العاملين المبدعين لكن من يستخدمه سيتفوق على من لا يفعل كما في مجال الأشعة. وهذا التغير لن تنظمه حقوق النشر بل سيكون نتاج صراع على مستقبل العمل. بالنهاية وبينما تتصارع التشريعات القديمة مع تحديات جديدة يبقى السؤال المطروح كيف نضمن حماية الإبداع البشري مع تمكين التكنولوجيا من خدمة المجتمع؟ الإجابة ليست في رفض التطور بل في بناء أطر قانونية وأخلاقية تضمن العدالة وتكافؤ الفرص ليس فقط في الغرب بل أيضا في العالم العربي الذي بدأ اليوم بخطوات مهمة نحو احتضان هذه التكنولوجيا والعمل على صياغة قوانين تنسجم مع خصوصياته الثقافية والاجتماعية. إن مستقبل الإبداع يعتمد على قدرتنا في التكيف والتعاون بين الإنسان والآلة فلا يمكن أن نكون مجرد متفرجين بل شركاء فاعلين في رسم هذا المشهد الجديد الذي يحمل في طياته فرصا وتحديات تتطلب رؤية واضحة وشجاعة في صنع القرار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق