يظل محمد إسياخم العملاق المؤسس للفن التشكيلي الجزائري الحديث حيا بأعماله التي حولت الألم إلى بصمة جمالية خالدة. ذلك الفنان الذي حول مأساة شخصية إلى رؤية فنية فريدة صارت لغة تشكيلية تعرفها العين العربية بمجرد رؤيتها.
ولد إسياخم في 17 جوان 1928 بآث جنّاد بالقبائل الكبرى ونشأ في غليزان حيث كان والده يدير حماما عموميا. لكن منعطفا مأساويا في 27 جويلية 1943 غير مجرى حياته إلى الأبد انفجار قنبلة يدوية جندها من معسكر أمريكي بين يديه أدى إلى وفاة ابن أخته وأختين له وبتر ذراعه اليسرى بعد عامين من العلاج. لكن الإعاقة الجسدية لم تعق إطلاقا طاقته الإبداعية الهائلة. فالتحق عام 1947 بجمعية الفنون الجميلة ثم المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالجزائر العاصمة حيث تتلمذ على يد رائد المنمنمات محمد راسم. وفي 1951 شارك في أول معرض له بباريس بمناسبة مرور ألفي عام على تأسيس المدينة وهي السنة نفسها التي التقى فيها بالأديب الكبير كاتب ياسين لتبدأ صداقة عمر. بعد الاستقلال عاد إسياخم إلى الجزائر وعمل رساما في جريدة الجمهورية حتى 1964 ثم تعاون مع صحف أخرى. وكان من المؤسسين للاتحاد الوطني للفنون التشكيلية ودرس في المدرسة المتعددة التقنيات للعمارة والتعمير. اشتهرت صداقته العميقة مع كاتب ياسين الذي أطلق عليه لقب “عين الوشق”. في كتاب نشر عنه بعد رحيله وصف كاتب ياسين هذه الصداقة قائلا ارتبطنا بصداقة بلا حدود كنا نقضي ليالٍ طويلة سوية في الحوار والشراب. كانت حانات باريس التي نرتادها هي حانات المهاجرين لأننا كنا نبحث عن الجزائر هناك.
حارس الذاكرة الفنية
تبرز أيضا صداقته مع الباحث والمؤرخ الفني بن عمار مديان الذي أصبح حارسا أمينا لإرث إسياخم الفكري والفني. يقول مديان عن لقائه الأول بإسياخم وكاتب ياسين كانا في مطلع عشرينياتي المرجعَين الأساسيين لفهم الجزائرية والفن. تعلّمتُ أن أرى أسمع وأفهم من خلالهما. ويصف مديان إسياخم بأنه كائن غير موقر جذري كريم مستفز لكنه أخوي بعمق. فنان يبتلع بارود المدافع ليفجر منه لوحة لا تساوم. ومن لوحات البارزة في فنه “العميان” 1963 لوحة تعبيرية تكاد تكون منحوتة ومحفورة. الشخصيات ترفع أعينها نحو خط أفق غير مرئي تتلمس طريقها باليدين والجلد في حوار مع الأرض. يستخدم إسياخم تدرجات اللون الأخضر بين الفاتح والغامق بين النور والظلمة. العميان هنا ليسوا ضعفاء ولا منهزمين بل هم سائرون مجهولون تحمل رقابهم المنتصبة صعودا داخليا. و “المربّع الأزرق” 1983 رسمت هذه اللوحة المجردة بعد خروج إسياخم من غيبوبة نتيجة حادث سير. في وسط اللوحة السفلية يبرز مربع صغير أزرق لامع متناقض بشدة مع باقي اللوحة. يقول إسياخم عنها لقد كان إدراكي اللاواعي للفوضى البدائية عودة مجردة إلى وضعي كإنسان وإلى مأساتي. ربما انفتحت ذاكرتي قليلا فرأيت برجي الفلكي باللون الأزرق في فراغ مظلم ومذرر.
بقاء الروح الفنية
رحل إسياخم في 1 ديسمبر 1985 متأثرا بالسرطان تاركا إرثا تشكيليا ضخما يشمل اللوحات الزيتية والرسوم وأعمال الحبر وحتى تصميم طوابع بريدية وأوراق نقدية. يقول بن عمار مديان في تأبينه عشت موت إسياخم كما يعاش الكارثة لكن إسياخم لم يرحل حقا فمن خلال أعماله ومن خلال جهود نقالة الذاكرة مثل مديان يظل حيا يحدث الأجيال الجديدة بلغة بصرية حولت الألم الفردي إلى خطاب إنساني كوني.