تعد الملاية السوداء زيا تقليديا ارتبط ذكره بمنطقة شرق وتحديدا قسنطينة حيث تشير روايات تاريخية إلى أن أصل ارتدائها يعود إلى حداد النساء على الحاكم صالح باي. وقد حكم هذا الأخير “بايلك الشرق” لعقدين من الزمن تميزا بالازدهار والحضارة.
غير أن نهاية حكمه كانت مأساوية؛ إذ قام الداي بابا حسن بعزله وتنحيته، لينفذ فيه حكم الإعدام خنقًا داخل حصن القصبة في ليلة الأول من سبتمبر 1792 تحول ارتداء الملاية السوداء من قبل نساء الجهة الشرقية من تعبير عن الحزن إلى تقليد راسخ ثم إلى زي موحد يوفر الحجاب والستر ليرمز في ما بعد إلى قيم العفة والحشمة. يجدر بالذكر أن بعض المصادر التاريخية تذهب إلى أن وجود الملاية يعود إلى فترة تسبق العهد العثماني حيث كانت تستخدم كلباس ساتر للمرأة عند خروجها لقضاء حوائجها سواء للزيارة أو للتسوق في السوق. تعرف الملاية بعدة تسميات حسب المنطقة مثل “القسنطينية”، “السطايفية”، “القالمية”، و”العنابية”. ورغم تنوع الأسماء فإنها جميعا تتكون من قطعتين أساسيتين هما الجلباب الأسود الفضفاض والنقاب الأبيض الذي يعرف باسم “العجار”.وتبقى الفروق بين هذه الأنواع طفيفة تتمثل غالبًا في طريقة شد الملاية أو في اختلاف طول “العجار” قصرا وطولا. بقدر ما تتنوع الألبسة التقليدية في الجزائر فهي تخفي وراءها روايات وأساطير تحكي واقع كل منطقة من البلاد وبحكم موقعها الإستراتيجي شمال أفريقيا وقريبا من السواحل الجنوبية لأوروبا والمقابل للقارة الآسيوية والمطل على البحر الأبيض المتوسط فإنها كانت عرضة لمرور عدد من الحضارات التي تركت خلفها عادات لا يزال بعضها صامداً إلى الآن.
ويشد المتجول في بعض مدن شرق ارتداء النساء ولا سيما كبار السن لباسا أسود على عكس ما هو حاصل في باقي المناطق مما يجعل البحث عن السبب أمراً مشروعا من أجل فك لغز ذلك اللباس الذي يسميه كثيرون “الملاية” كما يطلق عليها “الحايك” وتتكون من قطعتين واحدة أساس سوداء طويلة وعريضة فضفاضة تغطي الجسم كله من أعلى الرأس إلى القدمين وقطعة ثانية صغيرة بيضاء لتغطية الوجه وتسمى “العجار” أو “النقابية” إذ لا يظهر سوى العينين.
ثأر من القماش
وتنتشر “الملاية” في كامل مناطق الجزائر باعتبارها إحدى الألبسة التقليدية التي ترتديها المرأة منذ غابر الأزمنة لكن يبقى التساؤل حول تميزها بالأسود في مناطق شرق البلاد من دون سواها بعد أن كانت النسوة يلبسن “ملاية” بألوان زاهية وتقول الروايات إن الأمر يرتبط بمقتل حاكم الجهة خلال فترة الحكم العثماني صالح باي. وحكم صالح باي منطقة الشرق الجزائري وعاصمتها مدينة قسنطينة طوال 21 عاماً وكانت تسمى بايلك الشرق، حيث عرفت المنطقة في فترة حكمه نهضة ثقافية وعمرانية واجتماعية جعلته محبوباً من السكان حتى أطلق عليه لقب “باي البايات”، مما جلب عليه الخصوم من باقي البايات والطبقة الثرية ومن حاكم الجزائر أيضاً الداي حسين فراحوا يكيدون له لإسقاطه. وفي الـ 8 أوت 1792 أصدر الداي حسين أمرا بعزل صالح باي وتعيين إبراهيم بوصبع خليفة له والذي قتل بعد أربعة أيام من تسلم منصبه الجديد من طرف أنصار سابقه الذي عاد مجددا لمنصبه حاكماً لبايلك الشرق وهو ما اعتبره حاكم الجزائر الداي حسين تمرداً على سلطته فأرسل إليه جيشاً لتوقيفه ثم إعدامه خنقاً في الفاتح من سبتمبر 1792. وحركت حادثة الإعدام مشاعر النسوة وأثارت غضب الرجال فهو الحاكم الذي يحظى بمحبة السكان ولم يترددن في إعلان حداد لا يزال مستمرا إلى يومنا هذا وقد لبسن اللباس الأسود من الرأس إلى القدمين وهو المعروف بـ “الملاية”.وتشير رواية أخرى إلى أن نساء المنطقة وبخاصة قسنطينة عاصمة بايلك الشرق حذون حذو ابنة صالح باي الذي أعدم في ساحة القصبة أمام الملأ إذ لبست ملاية سوداء تعبيرا عن ألمها وتضيف المصادر التاريخية أن كل النسوة لبسن الملاية السوداء من يومها. وتتحدث الرواية الثالثة عن أن نساء قسنطينة لبسن “الملاية” السوداء حزنا على وفاة حاكم تونس قبل قدوم الأتراك الأمير ابن عبدالله الحفصي والذي حكم في وقت من الأوقات جزءا من الشرق لذلك فإن تاريخها أقدم من الوجود العثماني في الجزائر.
“العش“
وكانت “الملاية” قبل سوادها تسمى “العش” وتختص بها المرأة غير المتزوجة مخططة بالأحمر والأصفر والأبيض بسبب الاعتقاد الذي كان سائدا بأن هذه الخطوط تخفي مفاتن المرأة. وتختلف طريقة ارتدائها وطرزها وخياطتها من مدينة إلى أخرى فنجدها مثلاً في منطقة سطيف “العجار” طويلة على عكس قسنطينة حيث تستر الوجه فقط، وليس هذا الاختلاف الوحيد بين الملايتين فالخياطة كذلك تختلف قليلا ففي الأولى تكون على شكل الجبة أو ما يعرف بـ “البنوار السطايفي”.أما في الطارف الحدودية مع تونس فالمفارقة أن المرأة لا تأخذ الملاية معها إلى بيت الزوجية لكونها مبعثا للشؤم بحسب اعتقاد سكان الجهة لكن تشتريها بعد الزواج بينما ترتديها المرأة في عنابة المجاورة لقسنطينة لكنها تكاد تكون جزءا من لباس تقليدي أو فولكلوري في ظل الانفتاح على اللباس العصري. وبينما كانت الملاية لباسا مميزا للمرأة في الشرق الجزائري ظل لوقت قريب جزءا مهما من الحياة اليومية وعلى رغم نجاحها في مقاومة كل محاولات الطمس التي تعرضت لها من طرف الاستعمار الفرنسي إلا أنها باتت تعاني التهميش وتواجه الزوال وأصبحت تستمد حضورها كجزء من التراث بسبب عزوف الجيل الجديد عن ارتدائها.
إستعادة الأمجاد
وفي محاولة لإعادة الاعتبار لهذا اللباس أطلق المتحف الوطني العمومي للفنون والتعابير الثقافية التقليدية قصر أحمد باي بقسنطينة دعوة إلى الحرفيين والخياطين والمصورين الفوتوغرافيين للمشاركة في تظاهرة “يوم الملاية القسنطينية” الذي ينظم في السابع من ماي كل عام. وأوضحت مديرة المتحف مريم قبايلية أن الخطوة تهدف إلى تسليط الضوء على هذا اللباس الذي يتميز بأبعاد اجتماعية وتاريخية ويعد من رموز مقاومة الاستعمار علاوة إلى إعادة اكتشاف جزء من تراثنا غير المادي. وأشارت قبايلية إلى أن التظاهرة تهدف إلى إثارة فضول الجميع حول الملاية من أجل إعادة اكتشاف تقنيات خياطتها وخصوصية قماشها وأنواعها وأكسسواراتها من خلال تشجيع الشباب على تعلم كيفية خياطتها وعرضها في السوق وتخليدها من خلال صور ومشاهد من الحياة.